
انتحاريات برواتب مغرية… بورصة تجنيد النساء في غرب أفريقيا
تجبر المختطفات على تنفيذ عمليات إرهابية وكثيراً ما يفعلنها دون وعيهن بكل التفاصيل
“مسألة تجنيد النساء ودفعهن أو إقناعهن بتنفيذ عمليات انتحارية سيكون لها تداعيات يصعب احتواؤها وأهمها زعزعة الثوابت الثقافية في هذه الدول المعروف فيها أن النساء لا تحمل السلاح سواء في صفوف القوات النظامية أو غيرها”.
أثارت تقارير غربية عن لجوء الجماعات المتشددة في غرب أفريقيا إلى تجنيد النساء ودفعهن إلى عمليات انتحارية مخاوف من تبعات ذلك على الأوضاع الأمنية الهشة أصلاً في المنطقة.
وتشهد دول مثل نيجيريا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر انتشاراً كبيراً لجماعات متشددة مثل بوكو حرام وتنظيم “داعش” وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، وهي كلها جماعات تسعى إلى ترسيخ نفسها رقماً صعباً في المعادلة السياسية والأمنية في هذه الدول.
وفي عام 2014، كانت جماعة بوكو حرام أول تنظيم يلجأ إلى تجنيد النساء لتنفيذ عمليات انتحارية في غرب القارة في خطوة خطت تنظيمات أخرى لاحقاً خطوات مماثلة لها.
وبحسب تقرير نشرته مجلة “منبر الدفاع الأفريقي” التي تصدر عن القيادة الأميركية في القارة السمراء (أفريكوم)، فإن العمليات الانتحارية التي تنفذها النساء في غرب أفريقيا تسببت في مقتل الآلاف من المدنيين والعسكريين داخل دول مثل نيجيريا ومالي وكذلك المئات من الانتحاريات.
استقطاب سهل
لا يقتصر استخدام الانتحاريات على جماعة، إذ شرعت ولاية تنظيم “داعش” في غرب أفريقيا في استخدامهن منذ أعوام.
وجندت حركة الشباب الصومالية بالفعل موظفة بلدية لاغتيال عمدة مقديشو في تفجير انتحاري في عام 2019.
والآن، تتصاعد التحذيرات من لجوء الجماعات المسلحة والمتشددة في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى هذا الأسلوب في محاولتها إرباك الأنظمة الحاكمة هناك.
يقول الباحث الأمني والسياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد أوال، إن “الجماعات المسلحة تحاول تجنيد الفئات الأكثر هشاشة في غرب أفريقيا وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير، إذ تتحدث تقارير عن استقطابها لعدد كبير من الأطفال والنساء”.
وأوضح أوال ضمن حديث خاص مع “اندبندنت عربية” أن “الظروف التي عانتها هذه الفئات من تهميش اجتماعي واقتصادي وسياسي لعقود مضت يجعل من السهولة بمكان استقطابها لا سيما أن الجماعات المسلحة تطلق وعوداً مغرية لهؤلاء مثل دفع رواتب مجزية وامتيازات أخرى”.
ولفت إلى أن “خطر وقوع هذه الفئات في شراك الجماعات المسلحة واستخدامها في عمليات انتحارية يتزايد أكثر فأكثر في دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث يستخدم تنظيم القاعدة مثل هذه الأساليب”.
تحول كبير
على رغم تزايد عمليات تجنيد النساء في منطقة غرب أفريقيا من قبل الجماعات المسلحة، التي لها أهداف مختلفة بين إقامة إمارات إسلامية أو الانفصال، فإن قدرة الحكومات المركزية على وقف ذلك بدت محدودة وهو ما شجع على الأرجح هذه الجماعات على دفع النساء والفتيات على القيام بعمليات انتحارية أشد خطورة.
وتعرف مالي تمدداً غير مسبوق لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تحاكي في عملياتها بصورة كبيرة أساليب حركة “طالبان” و”القاعدة” في تطورات تثير مخاوف من فقدان المجلس العسكري الحاكم هناك زمام الأمور في مواجهتها.
يقول الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، المحلل عثمان أنور، إن “مما يسترعي النظر أن كثيراً من هذه الهجمات تنطوي على شيء من الإكراه، إذ تجبر النساء والفتيات المختطفات على تنفيذ عمليات انتحارية، وكثيراً ما ينفذنها دون وعيهن بكل ما يفعلن”.
وتابع أنور في مقالة له بمجلة “ديبلوماتيك إنسايت” أن “هذا يمثل تحولاً كبيراً عن الحالات السابقة التي كان الإيمان بالفكر أو الوازع الشخصي أبرز ما يحركها”.
وعلى رغم أنه لا توجد أرقام واضحة في شأن النساء اللاتي جُندن بالفعل لدى الجماعات المسلحة، غير أن التحذيرات تتصاعد من تفاقم الظاهرة مما يفرض على السلطات في غرب أفريقيا تحديات أمنية جديدة وغير مألوفة.
وأفاد أنور بأن “الانتحاريات يمكن استخدامهن أيضاً لإخجال الرجال المترددين في الإقدام على مثل ما أقدمن عليه وإشعارهم بالخزي والعار”.
وفسر بالقول “يتماشى هذا مع مفهوم دعاية الفعل حيث لا يقل الأثر الرمزي للهجوم في أهميته عن تبعاته المادية”.
تقويض الأمان
في الأشهر الماضية، باتت الحكومات المركزية في غرب أفريقيا عاجزة عن فرملة اندفاعة الجماعات المسلحة التي أقدمت على حصار عواصم وشن هجمات دموية على قواعد عسكرية في تطورات متسارعة تضع هذه الحكومات أمام تحدي الصمود.
وقال محمد أوال إن “مسألة تجنيد النساء ودفعهن أو إقناعهن بتنفيذ عمليات انتحارية سيكون لها تداعيات يصعب احتواؤها وأهمها زعزعة الثوابت الثقافية في هذه الدول المعروف فيها أن النساء لا تحمل السلاح سواء في صفوف القوات النظامية أو غيرها”.
وأكد أن “كذلك، هذا التوجه سيقود إلى تقويض مشاعر الأمان في أماكن تكون عادة وجهة للنساء مثل الأسواق والمدارس وهي كلها أماكن قد تتحول إلى بؤر للعنف والعمليات القتالية وهو ما يفاقم من الأضرار التي تعانيها هذه الدول والمجتمعات”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “الجماعات المسلحة أصبحت أكثر جرأة في اللجوء إلى أساليب قتالية جديدة، ومع الأسف هذه النقلة النوعية في عملياتها غذتها التوترات السياسية والانقلابات العسكرية، وهي كلها عوامل أدت إلى تقليص التنسيق الإقليمي والخطط الحكومية الناجعة للحد من أنشطة هذه الجماعات. لذلك، نحن أمام واقع جديد في هذه المعركة”.



