جهاتسياسةمجتمع

الهدر المدرسي بالمغرب..نزيف صامت للكفاءات وتحدٍّ حقيقي لجودة التعليم

 

سلّطت ندوة “معضلة الهدر المدرسي ورهان تجويد التعلمات” التي نظمتها “جمعية المبادرة؛ الوطن أولا ودائما” التي يرأسها الوزير الأسبق عزيز رباح؛ مساء اليوم الجمعة 23 أكتوبر الجاري، الضوء على الأبعاد التربوية والاجتماعية ؛ والاقتصادية لهذه الظاهرة، وما تطرحه من تحديات أمام إصلاح المنظومة التعليمية وضمان حق التلاميذ في تعليم جيد ومنصف. وأجمع المتدخلون على أن معالجة الهدر المدرسي لا يمكن أن تقتصر على إبقاء التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية، بل تستدعي مساءلة جودة التعلمات، ومدى اكتساب المتعلمين للكفايات الضرورية، وفعالية السياسات المعتمدة في الوقاية من الانقطاع عن الدراسة.

وشهدت الندوة، التي سيرت أشغالها أمينة البوسعدني، عضو المكتب التنفيذي للجمعية؛ بحضور مجموعة من الفاعلين في المجالين التربوي والتكويني، نقاشاً حول سبل الانتقال من التدخل بعد وقوع الانقطاع إلى اعتماد مقاربة استباقية تستهدف أسبابه العميقة.

عبد الناصر ناجي: الهدر المدرسي يتجاوز الانقطاع عن الدراسة
وفي مداخلته، قدم عبد الناصر ناجي قراءة نقدية لمفهوم الهدر المدرسي، معتبراً أن اختزال الظاهرة في عدد التلاميذ الذين يغادرون المؤسسات التعليمية يحجب جانباً آخر من المشكلة، يتمثل في المتعلمين الذين يستكملون دراستهم ويحصلون على شهادات، من دون أن يتمكنوا بالضرورة من اكتساب الكفايات التي تؤهلهم للاندماج الفعلي في المجتمع وسوق الشغل.

وأوضح أن الهدر المدرسي ينطوي على كلفة اجتماعية واقتصادية، بالنظر إلى ما يمثله من استنزاف للطاقات البشرية، وإهدار للموارد المرصودة للتعليم، فضلاً عن انعكاساته على فرص الاندماج المهني والاجتماعي.

وفي هذا السياق، أثار المتدخل سؤالاً جوهرياً بشأن طبيعة سياسة النجاح المعتمدة في المغرب: هل تقوم على التمكن الفعلي من الكفايات، أم تتجه عملياً نحو تقليص نسب الهدر والانقطاع عن الدراسة، حتى وإن لم يتحقق المستوى المطلوب من التعلمات؟

وأشار ناجي إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بإبقاء التلميذ داخل المدرسة، بل بضمان استفادته من تعليم ذي جودة، محذراً من أن الامتحانات قد تتحول، في غياب التقييم الفعلي للمكتسبات، إلى مجرد آلية للانتقال من مستوى دراسي إلى آخر، من دون التأكد من امتلاك المتعلم للمعارف والمهارات اللازمة.

واستحضر المتدخل رقم 300 ألف تلميذ سنوياً باعتباره مؤشراً على حجم الهدر المدرسي، معتبراً أن هذا الرقم لا يعكس سوى الجزء الظاهر من الظاهرة، في حين يتمثل جانبها الأقل وضوحاً في ضعف المردودية التعليمية لبعض الشهادات، وعدم استجابة الكفايات المكتسبة لانتظارات المجتمع والمقاولات والإدارات العمومية.

وأشار ناجي إلى أن نسبة التلاميذ الذين لايستفيدون من الكفايات يتراوح مابين 70 و 80في المائة؛ معتبرا أن الامتحانات شكلية فقط، لمرور التلاميذ من مستوى الى آخر؛ وهو ما يفسد نجاح هؤلاء التلاميذ.

كما ربط بين تطور السياسات التعليمية منذ سنة 2002 إلى الآن، والتركيز على تعميم التمدرس، وبين ضرورة الانتقال إلى مرحلة تجعل جودة التعلمات في صلب الإصلاح. وأكد أن الهدر المدرسي ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، مع التشديد على أن تحسين جودة التعليم يظل مدخلاً أساسياً للحد منها.

عبد العزيز سنهجي: الحاجة إلى تحليل مسارات المنقطعين
من جهته، شدد عبد العزيز سنهجي على أهمية تحليل المسارات الدراسية للأطفال الذين يغادرون المدرسة، وفهم الظروف التي تقودهم إلى الانقطاع، بدل الاكتفاء برصد الأرقام والمؤشرات الإجمالية.

ودعا إلى اعتماد مقاربة نسقية واستراتيجية في تقييم السياسات التعليمية، تقوم على قراءة التقارير المتاحة وتركيب معطياتها، مع مساءلة أدوات التتبع والتدبير، ومن بينها منظومة «مسار»، ومدى قدرتها على الإسهام في الكشف المبكر عن حالات التعثر والانقطاع.

وأكد أن العلاقة بين الهدر المدرسي وجودة التعليم تفرض معالجة الإشكال في شموليته، مع الاهتمام بما وصفه بالتقابل بين ضمان الاستمرارية الدراسية وتحقيق التعلمات الفعلية.

وفي هذا الإطار، برزت الحاجة إلى تعزيز التحليل السوسيولوجي لمسارات التلاميذ، وفهم أثر المحيط الأسري والاجتماعي والاقتصادي في علاقتهم بالمدرسة، بما يسمح ببناء تدخلات أكثر دقة وملاءمة لخصوصية كل حالة.

فاطمة الزهراء السنتيسي: الوقاية تبدأ من السنوات الأولى
من جانبها، أكدت فاطمة الزهراء السنتيسي أهمية اتخاذ إجراءات عملية لإدماج التلاميذ المعرضين للانقطاع، مشددة على أن الوقاية من الهدر المدرسي ينبغي أن تبدأ منذ السنوات الأولى من المسار التعليمي.

واعتبرت أن التعليم الأولي يشكل محطة أساسية في بناء علاقة الطفل بالمدرسة، ورصد الصعوبات التي قد تؤثر لاحقاً في مساره الدراسي، داعية إلى إرساء آليات للمواكبة الاجتماعية والسوسيولوجية والنفسية، بما يساعد على معالجة التعثر قبل أن يتحول إلى انقطاع نهائي.

كما شددت على ضرورة الحفاظ على ثقة التلميذ في المدرسة، من خلال توفير بيئة تعليمية داعمة، قادرة على الاستجابة لحاجاته ومراعاة اختلاف ظروفه الاجتماعية والأسرية.

التكوين المهني..مسار بديل للإدماج
بدوره، أبرز كريم أمزيان، المدير الجهوي لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بالرباط، دور التكوين المهني في استيعاب الشباب وتوفير مسارات تعليمية وتكوينية تتيح لهم اكتساب مهارات قابلة للتوظيف.

وأوضح أن مؤسسات التكوين المهني تستقبل أعداداً مهمة من المتدربين، مشيراً إلى أن المعطيات المقدمة خلال الندوة تتحدث عن نحو 400 ألف متدرب، في سياق إبراز حجم مساهمة القطاع في التأهيل المهني.

وأكد أن مواجهة الهدر المدرسي تستدعي اعتماد مقاربة استباقية تمتد من التعليم الابتدائي إلى الثانوي، وتساعد على توجيه المتعلمين نحو المسارات المناسبة لقدراتهم وميولاتهم، مع مراعاة حاجات سوق الشغل.

كما أشار إلى أن بعض المتدربين يتجهون إلى مغادرة التكوين قبل استكماله، بسبب الرغبة في الولوج السريع إلى سوق العمل، أو بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية وأسرية، من بينها تحمل مسؤوليات مبكرة.

وفي هذا السياق، أشار إلى حاجات سوق الشغل بجهة الرباط، التي تتطلب، وفق المعطيات التي قدمها، نحو 15 ألف خريج، بما يبرز أهمية تعزيز التنسيق بين مؤسسات التكوين والمشغلين والسلطات الجهوية.

وفي هذا السياق، أشار إلى حاجات سوق الشغل بجهة الرباط، التي تتطلب، وفق المعطيات التي قدمها، نحو 15 ألف خريج، بما يبرز أهمية تعزيز التنسيق بين مؤسسات التكوين والمشغلين والسلطات الجهوية.

المؤسسة التعليمية في قلب الوقاية
وتناولت المناقشات مسؤولية المؤسسة التعليمية في التصدي للهدر المدرسي، باعتبارها الفضاء الأول القادر على رصد مؤشرات التعثر والتغيب وفقدان الدافعية لدى المتعلمين.

وفي هذا السياق، جرى التطرق إلى أرقام تتعلق بمغادرة ما بين 140 ألفاً و150 ألف تلميذ لمؤسسات التعليم الإعدادي سنوياً، فضلاً عن معطيات أخرى بشأن الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة، من بينها رقم 55 ألفاً، وهي أرقام تستدعي التحقق من فترتها المرجعية ومجالها الإحصائي قبل اعتمادها مؤشرات نهائية.

كما طُرحت إشكالية الهدر الصامت، الذي لا يظهر بالضرورة في مؤشرات الانقطاع، لكنه يتجلى في ضعف التحصيل والتعثر المتكرر وفقدان الثقة في المدرسة.

وشدد النقاش على أهمية تطوير آليات الإنذار المبكر، وتحديد مستويات المخاطر التي تهدد استمرار التلميذ في الدراسة، مع تعزيز حضور الأطر الاجتماعية والمتخصصة داخل المؤسسات التعليمية. كما برزت الشراكة بين المدرسة والأسرة والفاعلين المحليين باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء تدخلات فعالة.

من تعميم التمدرس إلى ضمان جودة التعلمات
خلصت النقاشات إلى أن مواجهة الهدر المدرسي بالمغرب تستدعي تجاوز المقاربة الكمية التي تقيس النجاح بعدد المسجلين والمستمرين في الدراسة، نحو مقاربة شاملة تجعل اكتساب الكفايات وجودة التعلمات والإنصاف المجالي والاجتماعي في صلب السياسات التعليمية.

كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التتبع الفردي للتلاميذ، وتوفير الأطر الاجتماعية المتخصصة، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وربط المدرسة بمحيطها الأسري والاقتصادي، إلى جانب توسيع جسور الانتقال بين التعليم العام والتكوين المهني.

 

عبدالسلام العزوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى